”لولا تجلي ربنا على مخلوقاته لما كان هناك شئ يستحق الحب في الدنيا على الإطلاق، لا وجه ولا صوت ولا صورة ولا مذاق ولا سلوك ولا فعل ولا كلمة ولا نغمة، فالله هو نور السموات والأرض، فهو النور الذي نراه في الوجوه فنحبها ، وهو نور العقول ونور الضمائر ونور البصائر وهو الحق وهو العدل، فهو كل ما نحب في أفعالنا من حق وعدل، وهو الجمال الذي يسبي في كل طلعة جميلة، وهو البهاء الذي يخطف القلوب في كل حضرة بهية، فهو سبحانه ما نحب وهو المعبود في كل ما نعبد بلا شريك ولا ند؛ فأينما ولينا وجوهنا فليس ثمة إلا وجهه، فإذا انخطف قلبك لرؤية جمال فما خطف قلبك إلا هو، وإذا انخطف سمعك لكلمة فما خطفها إلا الحق الذي تجلى فيها وإذا ذُبت لحضرة، فلما استشعرت من وجود الله فيها؛ فهو وحده الذي يجعل القيمة لأي قيمة، ومن وجهه تفيض الكمالات على كل ذي كمال… ذلك هو المحبوب الواحد والوحيد، الله جلَّ جلاله، ولا دوام لحب إلا الحب له والحب فيه، وما الدنيا بعد ذلك وما شخوصها وما رجالها وما نساؤها إلا مجرد مناسبات تهيج الذكرى لذلك المحبوب وتردنا إليه وترجعنا إلى ساحته وتشوقنا إلى أوصافه . والدنيا هي أرض الغربة والاغتراب والبعد والحجاب والغفلة والأسباب والتيه والضباب، ولا عبرة فيها إلا بلحظة الصحو والفواق والشعور بلوعة الفراق، والحنين إلى اللقيا، وإلى بلد المحبوب، وإلى وطننا الأول عنده الذي منه جئنا وإليه نعود، ثم ما يثمر هذا الحنين من تشمير للسواعد وجد في العمل للتقرب والتحبب إلى هذا المحبوب الجليل لتكون ساعة اللقيا ساعة رضا لا ساعة خزي . فإذا لم تثمر حياتك بمتاعبها وآلامها إلا هذه الثمرة فحسبك بها كسباً، وقد عشت وأدركت وفهمت ، وإذا لم تثمر هذه المعرفة فما عشت وما أدركت وما كانت حياتك إلا عبثا وهي وعدمها سواء وإن امتلكت ذهب الأرض وعمرت ألف عام، فأنت والدابة سواء، بل الدابة أفضل لأنها تعبد الله علي طريقتها وتعرفه على سليقتها وتحبه على فطرتها . فما بال سيد الكائنات الذي أعده الله ليعرف فلم يعرف ، وزوده ليدرك ولم يدرك ، واصطفاه لحبه فتولى عنه ولم يعش إلا لحب الخسائس والتهالك على سقط المتاع . فإذا أضناك هوى أو أعماك طموح أو أضلتك فتنة فانظر تحت قدميك إلى التراب الذي يطؤه حذاؤك، وسل نفسك كم من رؤوس امتلأت بالفتن والأطماع والأهواء ثم غيبها ذلك التراب، ذلك التراب عينه الذي تحت حذائك . وإنك لتوشك أن تكون تراباً أنت الآخر يطؤه ناس آخرون، وإنما هي برهة والتفاتة .. ثم ينتهي كل شيء، فلا تضيع هذه البرهة الخاطفة في خسائس الأمور، واختر لنفسك المحبوب الذي يليق بكمالك، المحبوب الذي لا يضيع عنده معروف ولا تضيع مودة، وذلك ربك وخالقك، ولئن ضيعت ربك فابك ما شاء لك البكاء، فقلد ضيعت كل شيء. ولا يغرك علمك، فقد أضل الله قوماً على علم وأهلك أقواماً كانوا مستبصرين؛ وعثرة العالم أسوأ بما لا يقاس من عثرة الجاهل . فلئن كنت تطمع في نجاة فتوسل إلى فضله وليس إلى علمك، ولذ بجنابه ولا تعتز بجنابك ، واسجد لتدخل من الباب الضيق والزم العبودية لتكون أهلا لعطاء الربوبية . وإذا راودتك نفسك الأمارة وسول لك شيطانك بأنك على شيء فانظر مرة أخرى إلى التراب الذي يطؤه حذاؤك، فذلك التراب هو الملوك الذين غبروا قبلك وعروشهم وأمجادهم ومواكبهم وقد انطوى فيه التصفيق والهتاف وماتت الضجة وسكتت الأبواق ودفنت الرايات وعاد كل شيء تراباً .
وموعدك مع هذا التراب قريب…“
وبعد،
فما بعد مواعظ الراحلين بعد ، هذا المتصوف الراحل أصبح التراب الذي كتب عنه وحضّ على تحسسه، وغداً أنا وأنت، وكفى بذلك موعظة.
هذه ليست محاولة للتنكيد ولا لهدم اللذات، هي ذكرى ومحاولة إفاقة من غفلة الشهوة وعبودية الهوى، والآمال الزائفة وملاحقة الدنيا واللهث خلف مشاغلها، هي محاولة لتحسس الروح في عالم المادة، لتلمس البصيرة في أعماقها المردومة، محاولة استيقاظ من سبات طويل كان ولا زال يتعذر بـ(ليس الآن )، حتى تعفنت الروح وتصخر القلب واستشرت النكت بسوادها القاتم وحلّ الخراب واستكمل الران، فدوّت : الله أكبر الله أكبر بزخمها الأخاذ وصفعاتها الناعمة لتجعل القلب يلتفت ويرجو رحمة ربه.
هي ذكرى، لنفسي أولاً، ثم لمن تنفعه الذكرى من المؤمنين .
ورحمة الله على كاتب الكلمات أعلاه: د. مصطفى محمود، ثم رحمته للأصدقاء الصادقين حين يعينون على تحسس الروح وتفقد الذات من حيث لا يعلمون..ولتكن : الله أكبر الله أكبر هذه المرة محاولة صادقة لأن يكون الله…أكبر.