في أيام العيد السعيد التي مضت سريعاً، كانت إحدى المعايدات الثمينة التي فزت بها: قسيمة شراء كتب من أحد المتاجر الالكترونية، أسعدني هذا الفعل الطيّب وبعث في نفسي الطيب، وامتداداً للخير و نشراً للمعرفة و امتناناً للمهدي، قررت أن أحاول أن أكتب شيئاً عن أو من الكتب التي انتقيتها، وها أنا ذا أحاول أن أصيغ شيئاً لكتاب صغير الحجم ثمين المحتوى ، عنوانه هو عنوان هذه القطعة من النص .
هذا الكتاب كان القراءة الأولى للفاضل د.طه عبد الرحمن ، وأنا مأخوذة بكل من يحاول تقديم مشروع فكري غايته الكبرى التغيير العملي، ومأخوذة أيضاً بالقادرين على ابتكار المصطلحات الذكية لأنني في كثير من الأحيان أؤمن أن المعقّد من المسائل الذي تطول فيه النقاشات، ليس ناتجاً إلا عن مصطلح ناقص شرحاً أو ابتكاراً، مصطلح يتم تحريره ليكتشف الطرفان أن أرضيتهما واحدة، ولكن حاجز الحرف أوقد الخلاف و حجب المعنى فأوهم بالاختلاف. أقول أنني مأخوذة بهذا الصنف من المفكرين ، وأظن – وأنا حذرة في ظني لأنها القراءة الأولى- أن الكاتب مهموم بمشروعه الفكري، صادق في عزمه، وأعتقد -ولا أظن- أن الكاتب مبتكر ذكي للمصطلحات لدرجة أني أحيانا أشعر أنه يريح القارئ أكثر من اللازم .
إني لا أريد أن أقول لكم عما حواه الكتاب، أو أورَده الكاتب، أو كيف تدرج في سرد مواضيعه أو كيف انتقل و تفرّع و لخص، لأن الكتاب صغير الحجم و تلخيصه منه و فيه، لكن الذي يهمني هو موضوع الكتاب الأصلي كما يشير العنوان : أي الإنسان الأبتر أو( الإنسان الحديث ) ، لأنه مثال عملي و نموذج مرئي للأبتر الذي يتحدث عنه الكاتب ، إنسان فقد إيمانه الذي يصله بالقَبس الملكوتي فيه، و أضاع قبلته التي أريد له أن يولّي وجهه شطرها حيث كان، فما كانت النتيجة إلا أن ولّى وجهه قِبل المشرق و المغرب ، باحثاً عن قبلة، باحثاً عن معنى ، باحثاً عن (إيمان) . إن الأسى ليس في أن يتخبط أي إنسان في تلك الدوامة من الضياع المعنوي، بل أن يتخبط فيها مسلم قد أخبره الله قبلته وكفاه هذا التيه الوجودي ، وأخذ بيده نحو الطريق المستقيم ، و وصف له سيماء هذا الطريق، و يسّر و بيّن و أكمل له الدين.
ويلفتني هنا أنه مما يزيد في الضياع، هذا التدفق المعلوماتي العجيب الهائل السريع، و التناقض الفظيع الذي يرقبه الواحد منّا في الثانية و التي تليها، ففي لحظة نقرأ الخبر و نفيه، وفي لحظة تؤكد دراسة على أمر لتأتي الأخرى مؤكدة النقيض، وفي سنة تثبت فعالية دواء لنتبين في السنة التي تليها أنه خدعة تجارية ،وفي فترة قصيرة من الزمن نشهد تبدل عجيب في تركيبة مجتمع ومناوشات تيارات وسقوط أحزاب و صعود أحزاب وتشرب فائق السرعة لعجول جديدة ما كُنّا نتخيل أننا نراها يوماً فضلاً عن أن نتشربها بهذه السرعة ، ويوماً عن يوم في خضم هذا الجنون المعلوماتي الهائل ندرك أننا لا نرقب الإعصار وهو يتضخم شيئاً فشيئاً، بل إننا أصبحنا جزءاً من الإعصار المُتضخِّم بجنون ، أو كما يصف الكاتب في جملة بديعة : “الإنسان صار في هذا العالم عبارة عن آلة، ثم صار عبارة عن سلعة ، ثم صار عبارة عن معلومة” حينها نشعر بالتيه، و بالأرض الراسخة تمور، و يزداد شعور الضياع و فقدان الوجهة و تخبط البوصلة ، ونتيقن في دواخلنا أننا لا أشك في أفظع (تجربة) محسوسة ، أي أن الحياة بذاتها تصبح محط تساؤل .
وقد جعلني تذكير الكاتب بأن من أوتي القبلة فهو في أسوأ الأحوال تائه عن الطريق المؤدي إليها، مفتقر للتسديد و التأييد الإلهي الذي يعينه على الوصول، لكنه ليس بفاقد لهذه القبلة تماماً ولا يجب أن يفقدها لأنه لاشك قاصد قبلة في وجوده سواء هُدي إليها أو اخترعها من رأسه، فلا مناص للإنسان من الإيمان ، وهو ولابد مؤمن؛ جعلني كلامه أشعر بالاطمئنان أنني أملك على الأقل قبلة أعلمها يقيناً، و من حيث خرجت و حيث كنت و كيفما تقلبت الأرض من تحتي، فلا أشك بأن عندي مرجعية راسخة وقبلة معلومة و إن جهلت الطريق.
ومن هذا النقطة تحديداً ،- أي الانطلاق من و إلى الإيمان- ، يقول طه عبد الرحمن أن نهضة المسلم لا تكون إلا بتجديد الإيمان في داخله و إعادة ربط الإنسان بروحه و (قَبسه الملكوتي)، حيث أن الإيمان طاقة متدفقة تبعث إرادة ثابتة غير قلقة ولا شاكة ، هدفها( التكوثر) و محاولة الكمال، وأعجبني بشدة أن الكاتب هنا يدعو لمحاولة الكمال و يمتدحها كدلالة على إيمان متدفق و إنسان (متكوثر) و إرادة صلبة، بخلاف كل الدعوات العدمية الصاعدة التي تشير لعبثية محاولة الكمال، وهذا صحيح من جهة لكن محاولة الكمال عند المسلم ليست سوبرمان نيتشه ولا الإنسان الإله ، بل هي محاولة واعية وممارسة لتعبد راقٍ نسميه (الإحسان) الذي لا يجازيه شيء إلا إحسان الله المطلَق، وبالإيمان و التزكية و الانطلاق من مفاهيم قرآنية يصل الكاتب إلى الشق الآخر من عنوان كتابه، أي: إلى الإنسان الكوثر .
لا يزال الوجود محيراً بالنسبة لي، و الإنسان مُشكلاً، ويقلقني سؤال المعنى و حقيقة الحساب، و الأشد إقلاقاً غفلتنا في هذا العالم الصارخ الصاخب عن كل هذه الأعباء و الحقائق، أن تكون إنساناً فهذا تكليف بقدر ما هو تشريف، و أن تكون مسلماً فهذا تكليف آخر بقدر ما هو نعمة، وأن تعلم شيئاً فهذا تكليف أيضاً بقدر ما هو فضل، ولكن الله الكبير لا يكلف النفس إلا ما تسع وهو يعين و يتولى ، وعسى أن يتولاني ومن يقرأ برحمته و عونه.

