مدخل بكائي
مطلع عام الكورونا الشهر الأول من السنة، كنت لتوي في اليوم الأخير من السنة الفائتة لسنة الكورونا طويت صفحة عريضة من صفحات حياتي، صفحة مليئة بالقصص و بالإنجازات و بالمعرفة و بالشهادات و بالمهارات ، كنت فخورة بتلك الصفحة بمعدل يوم وحيد وهو اليوم التالي لآخر يوم من السنة الفائتة لسنة الكورونا.. أما بعد ذلك اليوم فقد ارتحلت بخيالي -كالعادة- نحو المستقبل المجهول ، وقتها لم تكن كورونا قد أفصحت عن رغبتها في نكبة العالم ، ونكبة داخلي، كنت في حالة زهو لدرجة رفض لعروض وظيفية لأنها “لا تعجبني ” ولأني أرغب في الاستراحة بمعدل سنة ! لأعرف و أستكشف و أعيد لنفسي حقها المسلوب في السنوات الخمسة الماضية، وقد اتخذت على نفسي عهدا حينها ، أن أمنحها حقها الكامل في الاستكشاف وفي اختيار ما تريده فعلا أما العمل فقد قررت في داخلي أن أعمل في قطاع صحي بحكم حبي للمجال الصحي كتطبيق إنساني من تطبيقات تخصصي الجاف قليلا .
صفة أخرى للمكان الذي أردت العمل فيه أن يكون مؤسسا بشكل صارم و منظم تنظيما يريحني من التعامل مع المجهول ويتيح لي الفرصة للاستكشاف خارجه وبهذا أبني بناءين في وقت واحد ، جهدين بالتوازي ! قطاع صحي أحبه في مكان ضخم هائل و فرصة استكشاف في باقي وقتي .. تلك الهندسة لحياتي كانت بمثابة حلمي الأول بعد التخرج .
وحينها، وأنا في أمريكا – ولا فخر- أقضي أول إجازة حقيقية متخففة من هموم الدراسة تأتي أنباء تفشي فايروس جديد آخذها بجدية فأغير خطة زيارة الحي الصيني في كاليفورنيا إلى مكان آخر ، بينما يسخر أهلي من أخذي الخبر بجدية . لم أفكر في كورونا إلا كفيروس قاتل لأول رغباتي بعد التخرج ، وقد كانت كذلك فعلا .. ولكن
مدخل آخر
في كل المحن منح لا نراها إلا بعد أن يتزحزح همها الجاثي عن صدورنا قليلا، وهبت لي كورونا فرصة لأرى العالم المهني بطريقة مختلفة لربما هي الطريقة الأصح إلى حد كبير ، التصور المهني الذي يسير في خط مستقيم ليس تصورا سيئا أو خاطئا لكنه قد لا يكون إلا في تلك الشركة الحوتية التي أردت العمل بها، أما العالم الواقعي لتخصصي فمختلف إلى حد كبير ، فهو لا يسير في الغالب في خطوط مستقيمة ، ولربما يعرف المبرمجون أن الثغرات جزء لا يتجزأ من عملية التطوير في المنتجات الرقمية وأن عالم التقنية عالم ولّاد و متغير بشكل درامي مهول ، يجعل المستقبل يأتي سريعا لربما أسرع من قدرتنا على مواكبته.
حسنا ، ما الذي أردت قوله بعد هذه المداخل ؟ نعم صحيح أردت الحديث عن العمل في شركة خديجة !
بدأت كتابة هذا المقال بعد أول تجربة عمل في شركة خديجة وأردت أن أجعله مقالا يعرج على التفكير في المهنة و المسار المهني و كل هذه الأسئلة المزعجة عادة للخريجين الجدد، ولعلي قدمت بمداخلي البكاءة لأمهد أن الأمر يستدعي الهم ولو قليلا ولكنه كسائر شؤون الحياة يتقلب ( طبقا عن طبق) ! فينمو أحيانا و يضمحل أحيانا ، يضحكك أياما و يبكيك أسابيعا، هو شيء تقرر التأمينات الاجتماعية مشكورة أنه يعيش معك حتى الستين وذلك طبعا إن لم تقرر ألا تفي للتأمينات بكونك موظفا وتتجه ليكون لك خديجة خاصة بك بين الخديجات الكثر المباركات التي نراها اليوم !
و خديجة ليست زميلتك في المكتب بل هو وصف للشركات (الناشئة) التي يموت أغلبها بعد بضعة أشهر أو سنوات ويكتب لعدد قليل منها النجاة و النمو وعادة ما يكون هذا على قفا الكثير من التضحيات الشخصية على مستوى مؤسسيها أو المؤسسية على مستوى موظفيها .
على كلٍ ، أكمل المقال اليوم بعد ثلاث سنوات إضافية من العمل في شركات غير خديجة تقريبا بهدف وصف هذه الروح الخديجية في سوق العمل ، فبسم الله نبدأ
كيف تبدو خديجة ؟
دعنا أولا نسِم الشركة الخديجة بسمات أولها الفوضى أو فلنقل : غياب النظام:
هذه السمة هي روح الريادة في نظر الرياديين فالنظام يعني الركود و الركود يعني التردي والتردي يعني الخسارة في سوق السرعة الذي نعيشه ورغم أن بعض الشركات لا تصنف خديجة من حيث الحجم و العمر إلا أن هذه الروح الفوضوية تعبرها فتدمرها أحيانا و تعمرها في أحيان أخرى وهذه الشركات فيها السوأتين : سوأة الفوضى و سوأة المؤسساتية ببيروقراطيتها البغيضة وعادة ما يعلق الموظف الصغير بين الجسد البروقراطي للمؤسسة وبين الروح الفوضوية العامة فلا هو يستطيع تسيير أموره بالطريقة الخديجية التي لا تتبع عادة أي هيكلة معروفة ولا بما تبقى من الجسد البيروقراطي المتهالك للمؤسسة وهنا يا صاحبي لا نملك إلا أن ندعو لك بالسلامة من القولون العصبي ومراكز الشرطة
ثانيا: التغيير السريع :
تتسم الشركات الخديجة بأنها شديدة الحماس فقيرة التأني و هي دائما في مزاج الحرب فلاشك أنها تشعر بتهديد الوجود و الحاجة إلى الإثبات دوما و هذا بالطبع يستدعي أن تتأقلم سريعا مع أي متغيرات في السوق ولو أدى ذلك إلى تغيير نطاق عملها أو حتى (شلة) موظفيها وحتى نكون منصفين فإن هذا التغيير قد يكون في صالحك أحيانا فلا تهلع وإن لم يكن فلا نملك يا صاحبي إلا الدعاء لك بالسلامة مرة أخرى و كما يقول أجدادي (الله يحجى عليك).
ثالثا : المزاجية وروح التأسيس:
تتسم الشركة الخديجة بأنها ليست خديجتك بالطبع ! فهي خديجة مؤسسها ولذا فهي تتطبع بطباعه بالعادة وهو يسمها على خرطومها بوسوم الموت أحيانا إن كان شين الطباع سيئها وهو يودي بها للهلكة أحيانا دون أن يشعر فهو يرى في خديجته مالا يرى فيها كل الناس ولأنه صاحب الحلال فلابد أن تعامله كما عامل الناس الملك العريان الذي خدعه الخياط بأنه يلبس أحسن الثياب وأحسن الأقشمة فلما خاط عنده ومشى بين الناس وهو عريان لم يضحك أحد من الناس بل صفقوا للقرف الذي يرونه لأن الملك صاحب الحلال لاشك و أنت يا صاحبي نأسف لك ستفعل المثل وحتى نكون منصفين فإن بعض المؤسسين ليسوا كهذا الملك الأحمق ولا تتسم أمزجتهم بالفساد بل بالحلاوة وهذا يا صاحبي نادر فلا نملك إلا أن ندعو لك بالستر و السلامة من أشباه الملك العريان !
رابعا : الفأل:
تتسم هذه الشركات بالفأل فهي كي توظفك تراهن على نجاحها الكبير لدرجة أنها تعدك بحصة من أسهمها حين تنجح لأنك كنت (وفيا) وأنت يا صاحبي فطن تدري بأن مصير أغلب الخدج الموت لكنك تراهن على روح المؤسس و التعلم و التجربة و ترمي بالنرد عسى أن تصيب و تنجح وتصبح أنت ايلون ماسك العرب أو سام ألتمان السعودية ! وفي هذه الحالة يا صاحبي ندعو الله لك بالسلامة من ألا تكونهما !
خامسا :أعناق الزجاجة:
تتسم هذه الشركات بالاحترافية في صنع موظفين من نوع (عنق الزجاجة) وذلك لأنها وعدت (عنق الزجاجة) بالأسهم طبعا فهي تتكل عليه كليا و إن لم تعده إلا براتبه فهي لا تزال تحترف صناعة أعناق الزجاج لأنها تفتقر للإيمان ب(اقرأ) و (والقلم وما يسطرون) تغيب ثقافة التوثيق تماما في هذه الشركات وتعتمد كليا على الثقة بين أفرادها و على أخلاقهم وهذه الروح جميلة لو أن الدنيا مليئة بالشرفاء ! لكني يا صاحبي أدعوك لتختبر غياب التوثيق عند أول كارثة حقيقية تحصل في الشركة و أدعو لك بالسلامة من أن تكون الشماعة الشهيرة للكوارث الكبيرة عند ممارسة زملائك الشرفاء للجحدان و الاستغباء و الخنزرة
سادسا : المرونة:
تدعي هذه الشركات غالبا المرونة في العمل وهذا يعني بالعادة أنك تعمل في غير أوقات العمل و في غير أماكن العمل سيشرحون لك الأمر بطريقة مختلفة سيقدمونه كميزة ولكني أدعو لك يا صاحبي بالسلامة من عمى البصيرة عند الاستماع لشرحهم لهذه الميزة فالحذار يا صاحبنا وحتى نكون منصفين قد تفضل ذلك هربا من حياتك الاجتماعية البائسة أو من مشاكلك العاطفية الحارقة وهنا يا صاحبي نسأل الله لك السلامة و المعافاة
ماذا بعد؟
هذه ست سمات للشركة الخديجة ليس منها الحجم و لا العمر بالطبع ولا عدد زملائك ولا حجم مكتبك ، وقد فضلت الحديث عن السمات لأنك ستجدها في شركات فيها مئات الموظفين وعمرها عشرات السنين و ذلك لأن السوق الذي أقصد كله خديج ففيه روح الخُدج و هذا طبيعي للغاية أنا فقط أقول أنه في العناية المركزة ونسأل الله له السلامة !


يا سلام 😂
إعجابإعجاب