عزيزي “أندريه” :
لقد كان وجودك سببا في سعادتي، رغم أني لا أعرفك ولم أرك، ولكن وجودك كان سببا في أن تكون صديقاً لتوفيق، وأيضاً سبباً في أن يكتب لك تلك الرسائل التي كانت عوناً لي في وقت مُر . شكرا يا أندريه لأن رسائل توفيق لك أعانتني على تحمل ثقل الصبر، وإن الصبر لثقيل شأنه، لا يطيقه إلا من وفق له وأعين عليه، فشكرا للعون والتسلية التي قدمتها رسائل الحكيم لي.
وبعد يا عزيزي أندريه، فإني أريد أن أقول لك أنني أكتب الآن كما كان توفيق يكتب لك في أيامه في مصر، حيث كان يلجأ إلى كتابة الرسائل هرباً من الضغوط والمآسي التي كان يراها في عمله وكيلاً في النيابة، أنا الآن أيضاً أكتب هرباً من قضبان الحياة التي -كما قال لك توفيق يوماً-“تقهرني قهراً على قبول ما لا أريد” وإني أحاول أن أسلي نفسي عن وجود تلك القضبان وأوهمها أنها ليست بقضبان مؤبدة، وأن قدري الذي جمعني بها سوف يكون هو المشكور غداً، لأنه أخذ بي نحو (الخيرة) التي كرهتها -ولازلت- ولكنها ستكون عوناً لي غداً كما كان القانون عوناً لتوفيق في (لقمة العيش)!
إني لا أعلم لم أثقل عليك بمثل هذا الكلام يا أندريه، ولكني أعتقد أنك رجل طيب، لن تضجر برسالة واحدة مني إذا علمت أنها ستخفف عني كما خففت عن توفيق، ولكن المشكلة ألا جديد عندي لأحدثك عنه، فالحياة الرتيبة المكررة التي تقطف “زهرة العمر” تضع قدمها على عنقي وتهينني وتكبلني كل يوم أكثر فأكثر، زهرة العمر التي تنبت مرة واحدة فقط ولا سبيل لزرعها إذا ماتت، هاهي تذبل في حياتي خلف قضبان الحياة.
أندريه صدقني أنا لا أحاول الغرق في الحزن ولا المبالغة في عيشه على العكس تماماً، أنا أحاول مقاومته بالهروب منه،فأهرب عنه بالضحك الكثير والمزاح الكثير والكلام الفارغ والكتابة، إني أضحك كثيراً يا أندريه لدرجة أني أعلم أني سأكون محط سخرية البعض ممن يقرأ ما أكتب ثم يراني أضحك ذاك الضحك الذي لا يخرج من حزين أو محبط، لكن هل تذكر يا أندريه عندما قال لك توفيق مرة :”ليست السعادة هي الضحك، فأنا أضحك طول النهار، لأني لا أريد أن أموت غارقاً في دموعي، أنا شخص ضائع مهزوم في كل شيء، وإذا كنت تسمع من فمي أحياناً أناشيد القوة والبطولة فاعلم أني أصنع ذلك تشجيعاً لنفسي؛ كمن يغني في الظلام طرداً للفزع” هل تذكر كلام توفيق هذا؟ هو تفسير ضحكي الكثير، ولي تفسير آخر أيضاً: ما الفائدة من أن أعبس في وجه من لا يهتم أصلا لوجودي فضلا عن حزني وإحباطي ؟ للناس ما لديها من هموم وأشغال ولا وقت عندهم لمداراة عبوسك، إن كنت ستعبس فسيقولون لك كما يقولون لكل من يعكر أمزجتهم :”مع نفسك يا حبيبي!” وقد صدقوا ولربما فعلت مثلهم أيضاً!
هل تعلم يا أندريه أنه رغم العزاء الذي أجده في الهرب إلى الكتابة إلا أنني أشعر بهم ثقيل على قلبي اللحظة ؟ نعم كصخرة لعينة ثقيلة تحجب الشمس والنور والظلام وتأبى أن تتزحزح رغم أني أدفعها بكل ما أملك من قوة الأحرف والكلمات ! يا إلهي يا أندريه ! هل تعلم ماذا قال لي الرب للتو ؟ وأنا أكتب إليك قال لي الرب على لسان الإمام : ( إن الإنسان خلق هلوعاً، إذا مسه الشر جزوعاً، وإذا مسه الخير منوعاً) هل تعلم يا أيها الباريسي ما معنى هذا الكلام ؟ لقد كان توفيق يحدثك كثيرا عن بلاغة كتابنا المقدس وعن حكمته وعن قصصه العجيب، لكنه لم يحدثك عن مدى الحقائق التي يريدنا الرب أن نتأمل فيها مراراً لكي نكون على وعي بالطبيعة التي خلقنا عليها بالتالي نتفهم ردود فعلنا المتطرفة والتي نعيبها على أنفسنا أحياناً، وأنا أكتب لك عن حزني يا أندريه وأصفه وأبالغ في الجزع منه قرأ الإمام في الصلاة تلك الآيات وكأنه يقول لي : كفي عن إزعاج أندريه ! وكفي عن النواح والبكاء! فالهلع وبغض الهم وكل هذه الكلمات والأحرف الدامعة هي من طبيعتك البشرية الهلوعة التي بالمقابل لن تكتب عن أوقات الفرح والخير والأنس ولكنها ستبالغ في وصف الحزن وتنذر له أعز الأوقات !
لا أعلم يا أندريه، وكل ما أعلمه هو أني لا أعلم، أنا لا أعلم لدرجة أني لا أستطيع أن أحدد هل أنا حزينة ومحبطة فعلاً، أم أن هذا طبع الحياة وكل هذا الذي أراه طبيعي ؟ لا أستطيع التحديد حقا لكن الذي تأكدت منه هو أني استسلمت فقط، فهل ورّث فيني هذا الاستسلام بلادة ؟ وهل هذا الاستسلام منا لما تريده الحياة ويريده القدر جيد أم هو ضعف وهوان؟ لقد كتبت مرة يا أندريه القطعة التالية، لكنني لم أعشها ولم أكن أعنيها فعلاً، فهل أعنيها الآن ؟ وهل أصدق كل حرف فيها وأخرجه من إيطار التدرب على الكتابة إلى الوحي النفسي؟ كتبتُ يوماً :
“فلتعلم أن الحياة تناقض نفسها وأنك إن نصبت نفسك حكما لها وجعلت من نفسك قاضيا عليها وجدت نفسك فجأة معلقا على حبل المشنقة ، عش فيها سلسا سهلا ، دعها تأخذك معها قليلا، تيارها ليس سيئا كما يقولون ..لا تكن عنيدا كثيرا فتصر على السير عكس التيار ! كن حصيفا فتارة سايره وتارة عانده ! صدقني ، كيدها أعظم من أن يجاور، فتواضع يا صاحبي ولتقبل نفسك كما هي ولتخنع لحكم الحياة فلا أحد هاهنا يرى نهايته أو يعرف حينها لا بأس ببعض السقطات والكثير من الزلات ما دام الرجوع بينهما والتوبة تفصلهما .. عش كأنك عابر سبيل هدفك ظل الشجرة لا نوعها، هدفك قوت اليوم لا الغد ، هدفك كفاف اليوم والغد على الله ..أؤمن كثيرا أن ثمار التوكل لا تؤتي أكلها إلا عندما تقيمها في داخلك حق الإقامة ، نثرثر كثيرا ونطبق قليلا ، نتكلم علنا ونخالف سرا ثم نعجب ونلقي اللوم على (القدر) !”
هل كنت أعني ذلك حقاً؟
لا أعلم يا أندريه وكل الذي أعلمه هو أني لا أعلم ! لكني أختم بقول توفيق لك :”لا تحسب يا أندريه أن أسباب كآبتي وضعف ثقتي بنفسي قد زالت الآن، على النقيض، ومع ذلك ها أنت تشعر بتغير في حالتي النفسية، والواقع أني تغيرت، فأنا هادىء، صافٍ، مطمئن، فلا حمى ولا حرارة ولا حماسة! ولا شيء يهزني من تلك الأشياء، ربما كان هذا، لأني لم أعد أطمع بعد في شيء، فأنا أسير في يد الزمن، كما يريد لا كما أريد!” .
هذا كل ما في الأمر يا أندريه ولا أملك أن أقول لك اكتب لي كثيراً فإني أنتظر ردك، لا يا أندريه لم أعد أنتظر شيئاً ولا أحدآً كما أنك قد مت بالتأكيد ! إذاً : فلتكن في قبرك مرحوماً يا عزيزي ” أندريه”!
*هذه التدوينة محاكاة لرسائل توفيق الحكيم لصديقه أندريه والتي نشرها في كتابه “زهرة العمر” .

