الأيام

حين أقبلت لأكتب مراجعة لكتاب (الأيام) لطه حسين، تساءلت مراراً: كيف يكتب المرء مراجعة لكتاب أدبي؟ وفوق ذلك كتاب هو أشبه ما يكون بالسيرة الذاتية لصاحبه، والصعوبة تكمن في أن الكتاب يجمع صفتين لا يجب أن نملك حولهما أي قرار نهائي ولا أي أدلة ولا أي أفكار محددة بأُطُر معينة، فلتكن هذه إذن مجرد تدوينة لمشاعري حول الكتاب، للأثر الذي لمسته، للجمال الذي خلفه، للشعور الوديع الذي تركه بعيداً عن عالم الأفكار قريباً من عالم المشاعِر والآراء…

قرأت مرة وصفاً لأحد القراء يصف فيه علاقته بكتاب الأيام قائلاً بكل وداعة وحنان: إنّ هذا الكتاب يَضُمّني؛ وحين شرعت في قراءة الكتاب لم أنفك عن تذكر هذا الوصف الذي ظل يلازمني حتى كتابة هذه التدوينة أملاً في أن يضمني الكتاب كما احتواه وضمّه! فأينا لا يود في حضن مجاني  ؟! .إذاً السؤال الآن: هل ضمني  الأيام ؟ قرأت العديد من كتب السير وكان الشعور المشترك المتكرر الذي رافقني فيها جميعاً: الملل. نعم فبالنسبة لي القراءة في كتب السير غير ممتعة غالباً ولكن الفائدة التي تعود على إثرها تستحق بعضاً من ملل. أما الأيام فقد كسر القاعدة، إذ لم أشعر بالملل بتاتاً، فالأمر لا يقف على سيرة رجل ذو أثر بل أديب بل كفيف ! كيف يمكن أن يكون الكفيف أديباً ؟ كيف بإمكانه أن يتصور الشمس حين تُشرق، والليل حين يغشى بسواده، والغيوم حين تتلبد في السماء، بل كيف يعرف شكل الغيوم ؟ بل ماهي السماء! أظن أن أحد أكثر المقاطع تأثيراً في الكتاب هي تلك التي يصف فيها طه حزنه وخجله إزاء عماه، لقد كان طه يردد ما قاله أستاذه الروحي وقدوته وموضع دراسته في إحدى رسائله العلمية، الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري، لقد كان يردد قول أبي العلاء: إن العمى عورة. كما أن طه كان كما كان أستاذه: ينأى بنفسه عن الناس قدر الإمكان، مكتفياً بنفسه، شديد الكبرياء، عزيز النفس حاد الإباء لكن عماه لم يترك أيا من هذه الصفات ليتمدد، فكبرياؤه كان لابد وينكسر حين يلطخ نفسه عندما يأكل، واكتفاؤه بنفسه غدا مستحيلاً فمن يدله على مجلسه في الأزهر؟ ومن يأخذ بيده بين الزقاق ليبلغ مسجد الحسين ؟ وأما إباؤه فكان ولابد أن يوضع له حدّاً فإن للعمى جبروت أيما جبروت لا يجاريه مجارٍ إلا وخسر، ولا يبغي عليه باغٍ إلا ورد خاسئاً مغلوباً.

وهكذا عاش طه مع عماه فدرس عند الكتّاب وحفظ القرآن، ودرس في الأزهر وكاد ينال المشيخة، ثم انتقل للجامعة ونال الشهادة، ودرّس في الجامعة ، وسافر لفرنسا ودرس التاريخ والأدب والفلسفة ونال اللليسنانس والدكتوراه ودرس اللاتينية وأتقن الفرنسية ولم يثنيه عماه عن أي شيء أراده لكنه كان يدفع مقابل ذلك من كرامته حيناً ومن ماله أحياناً كثيرة، فمن ذا الذي سيرافق كفيفاً ليعينه على شأن نفسه بلا مقابل ؟ لا أحد حتماً.

،بدأت حياة طه الصبي  بفقده بصره بسبب الإهمال، إذ أنه أصيب في صغره بالرمد فعولج بالطب الشعبي ولم يؤخذ للطبيب حتى أهمل وفقد بصره ثم قاسى حر ذلك طوال عمره، وقد كان مخيرا حينها بين أمرين اثنين: أن يلتحق في الأزهر لينال المشيخة ويكون له عموداً يسند ظهره إليه وطلبه يتحلقون حوله، أوأن ينتهي به الأمر متجراً بالقرآن -كما كان يصف- يقروه في المآتم وينال على ذلك أجراً. وقد سلك طه السبيل الأول فالتحق  بالأزهر بعد لأي وتمنٍّ طويل، ثم قاسى الوحدة في بداية دراسته، وما كان يعزيه ويؤنسه سوى اللحظة التي يسمع فيها الآذان وتطأ قدمه صحن الأزهر ويلامس نسيمه صفحة وجهه.

ثم ضاق الفتى الأزهري بأزهره، وما عادت علوم الأزهر تغذي نهمه، فسمع بمصطلح جديد هابه أول الأمر ثم ما لبث أن ألفه وأقبل عليه، سمع طه بالجامعة فالتحق بها ونال شاهدتها ودرّس فيها وحلم بأن يسافر إلى باريس ليدرس الفلسفة فتعقد الأمر ثم تيسر فسافر طه برفقة أخيه ليعينه وواجه ما واجه في غربته إلا أن شيئاً جميلاً حدث في تلك الغربة ما كان طه يرى نفسه أهلاً له ولا كان يتخيل أنه سيحظى به يوماً.

 حين كان طه في فرنسا اضطر أن يتخذ له معيناً من أهل البلد يتقن الفرنسية ليقرأ له دروسه في الجامعة ويعينه على قراءة- أو بالأصح سماع- ما شاء من الكتب، وهناك سمع طه ذاك الصوت العذب الذي اتخذه معيناً ثم حدث ما لم يكن في الحسبان وأحس طه بلذع الحب، ونار الحب حتى فارقه النوم وأصابه الأرق، إلى أن تيسر له الزواج من صاحبة ذاك الصوت العذب التي كانت تقرأ لطه ما شاء من الكتب .

images

إنه لمن العجيب حقا -بالنسبة لي على الأقل!- أن يتزوج صبي نشأ في ريف من أرياف مصر ودرس على أيدي الكتاب بل في الأزهر أيضاً أن   يتزوج بفتاة فرنسية، لكنها الأقدار تصنع العجب العجاب، ولا ندري لعل ما ظنناه بعيداً يكون أقرب إلينا من شسع نعالنا،وفي الأيام خير شواهد على ذلك، أمر الزواج هو واحد منها فقط :).

وفي نهاية الأمر إنه ليحسن حقاً أن أوصي بالأيام لكل محب للأدب وراغب فيه،وكل محب للمتعة ، وهاوٍ للسير، كما أوصي به من يحب الروايات فإن الكاتب لا يتحدث عن نفسه مباشرة بل يشير لذاته بكلمة (الصبي) مما أضاف على الكتاب أسلوب روائي مميز. وأما طه الأديب الذي لم أذكر عنه الكثير في تدوينتي فلربما يكفي أن أنقل لكم قوله :”ما أعرف شيئاً يدفع النفوس،ولا سيما النفوس الناشئة، إلى الحرية والإسراف فيها أحياناً   كالأدب”وما أحوج الأمة إلى الإسراف في الحرية وما أحوجها إلى الإسراف في الأدب فلعل الأدب يحمل في باطنه ناراً تلتمس منها الأمة جذوةً تنير لها الطريق..

وبعد، فإن تلك وصية طه الأديب، وتلك آثاره وآراؤه الساخنة التي خلفها وراءه، جميعها أمامكم وبين أيديكم لتقرؤها وتمحصوها وتنطلقوا منها نحو عالم من الأدب يحمل في طياته الكثير الكثير من الحرية.

أضف تعليق

هل هذا موقعك الجديد؟ تسجيل الدخول لتفعيل ميزات المسؤول وتجاهل هذه الرسالة
تسجيل الدخول