أهلا !
أحاول العودة للكتابة و التدوين بأيسر الطرق، وأيامي -كأيامكم- تتقلب بين حزن و فرح و سعادة و هم، وهذه سنة الحياة ، والأهم أن هذه هي الحياة (طبقا عن طبق ) وهذا هو العيش مهما زيفناه بالأمل و الوهم أو نمقناه بالذكرى الطيبة و الضحك الكثير.. ولأجل أن أقبض على هذا (العيش) ولأجل غايتي الكبرى : العودة للكتابة ، قررت أن أجرد شهري؛ و ممارسة الجرد هي ممارسة متعارف عليها في عالم التدوين وغيره ولعل الأستاذ حسان الغامدي جعلني أصر على فكرة الجرد في كل مرة أقرأ فيها جردته الشهرية في رائعته دفاتر.
و الفكرة من الجرد هي أن أمر مرورا خاطفا على هذا العيش حتى أذكره أولا .. وأمارس الكتابة ثانيا و أنفع أو أروح على أحد ثالثا.. لعل وعسى .
ما الذي تحويه الجردة بالعادة ؟
لا يوجد هيكل ثابت ومثالي للجردة فهي كما ذكرت تَمثُل للعيش المربك بطبيعته ولكني أعتقد أنها لن تخلو من :
مسموعات
نحن بنو رواحل في طرق لا تنتهي .. و رواحلنا تضيق بنا أو نضيق بها ولا يصلح شأننا -و رواحلنا- سوى هذا السماع في طرقات الرياض الطويلة العكرة -آجرنا الله وإياكم- ،و في عالم البودكاست* (البث المرئي/المسموع والعتب علينا حيث -بحسب معرفتي- لم تعرب الكلمة تعريبا ملائما حتى الآن ) لا يخلو شهري من مسموع يبقى في الذاكرة وقد أعجبتني هذه المقابلة مع المهندس عبد الواحد الوكيل المصمم المعماري الذي حظي بشرف ترميم مسجد قباء وخاض بعضا من المعارك لأجل أن يبنيه بالطوب ، عبد الواحد المغرم بالعمارة الإسلامية مناصر لحسن فتحي وكلاهما من مدرسة البناء من خيرات الأرض و بأيدي أهل الأرض .
العمارة بحر جميل لامع، ينشرح صدري عند السماع أو القراءة فيه ولكن ولسوء خطي ورسمي لم أحلم به يوما و أغبط كل معماري وصاحب حرفة.
أعجبني استرسال الوكيل وضايقني قليلا غياب التناغم بينه ،وبين المقدم..و لكن تعودنا !
مما لفتني حديثه العابر عن (أدب التكنولوجيا) أي أن هذه التقنية التي لا تنفك أيدينا و أنفسنا عنها لها آداب يتعلمها المؤدب ويمارسها تأدبا و من ذلك كتم -وليس خفض لأن حضرة أذنك لها معيار مختلف عن حضرة أذني عندما تتفاهمان حول مستوى الصوت المنخفض !-الصوت عند سماع أي مقطع و إشاحة النظر عن شاشة الآخر و عدم رفع هذه اللعنة الصغيرة التي تلتقط وجوه الناس و أقفيتهم في لحظات خاطفة وبصمت تام ! وأعجبني جدا اهتمام الخطوط الجوية القطرية بالتوعية حول هذا الموضوع في رحلاتها الأخيرة بعد تفعيل الانترنت المجاني أثناء الرحلات ومع ذلك فلا حياة لمن تنادي !
مرئيات
يثير تفكري الآونة الأخيرة الذكاء الاصطناعي و أعتقد أن شعور العالم نحوه التوجس ، ومن ثم الحماس أو الرفض و الغضب لكن الأكيد أن هذه الموجة قادمة لا محالة فإما أن تحاول تعلم ركوبها وإما أن تغرقك ، وفي إستونيا حاولوا الركوب بحذر وحماس حيث تشارك وزيرة التعليم في هذا المقطع تجربتهم في تطوير آداة ذكاء اصطناعي يتعملها الطلاب مبنية على فلسفة سقراط في التعلم آي أن هذه الآداة على -عكس أدوات الذكاء الاصطناعي الأخرى – لن تجاوبك مباشرة بل سترد عليك بسؤال ليكون النهج حواريا حتى تصل للإجابة بنفسك تقريبا و الجميل أنها و بكل ثقة تقول نحن نجرب ولا نعلم النتائج و ندعو دول العالم الأخرى المهتمة للتجربة معنا.
شاهدت بالطبع فلم نولان الأوديسة، لا تستهويني قصص الأساطير بالعادة و أكره الخيال العلمي ربما لأني أعتقد أن الواقع فيه ما يكفي من الدراما لتحكى، وربما لأن نفَسي قصير على اللامنطق، وأقدم بهذا لأن رأيي في الفلم لاشك متأثر بهذا الجفاء الفطري لهذه المواضيع، وعلى كل حال الفلم في رأيي عادي، بحوارات ركيكة لمثل أسطورة يونانية فيها كل الإمكانات لصناعة حوارات عظيمة،وأعتقد أن هذه أعظم نقطة كنت أترقبها في الفلم ولم أجدها.. التصوير و نحوه لا يعنيني أيضا لأني آنس بالأفلام الإيرانية ذات الإمكانات المتواضعة جدا مقابل عمق الحبكة و عظمة الحوارات فأنا أقايض هذه بتلك ولا غرو لأن هذا فعل العقلاء..!
شاهدت فلما آخر حرك فيّ تساؤلات عظيمة حول الأمومة و التضحيات التي تقدمنها الأمهات وارتفاع كلفتها في هذا الزمن، أتعرفون تلك الفكرة اللعينة الشيطانية التي يصر خيالكم في قهر ذاتي على تخيلها و يرفض ضميركم الاسترسال معها؟ هذه الفكرة بالضبط تؤرقني مؤخرا حول (رمسنة الأمومة) لأني -بكل صدق ومحاولة- أود للأمومة أن تحتفظ برومانسيتها في خيالي و وجداني ، أود ألا تتهشم تحت وطأة الواقع الذي يرفع تكاليفها بوجه مكفهر أسود، وفي هذا السياق أذكر أني قرأت كتابا بعنوان Motherhood A Confession و لم أكمله حيث شعرت أنه من تلك الكتب التي تسمم الوجدان ! وأنا أحاول فعلا حماية الشعور الرومانسي بداخلي اتجاه الأمومة لأنه -وبدونه- تبدو الأمومة جنية زرقاء !
مقروءات
القراءة شريان حياة بالنسبة لي، أشعر دونها بالنضوب و اللاجدوى ، ولا يمكنني شرح هذا الشعور حتى لنفسي التي أصبحت تستثقل إكمال كتاب وحيد ؛ وأقول شريان لا كتشبيه بل كحقيقة مُرة أشعر بسببها بالموت الداخلي.
على كل حال ، هذا الشهر قرأت آخر حقول التبغ ، للمبدع طاهر الزهراني، طاهر كاتب فذ آنس جدا بالقراءة له، أقرأ شيئا يشبهني، شيئا عني، تشبه القراءة لطاهر شروق شمس بعد ليل عصيب، حيث تبتسم ابتسامة المتعب الجذل، هكذا شعوري حين يقرؤنا طاهر، ثم يسيل فنقرؤنا مرة أخرى.. وكأن كل الأجداد (خضران) وكأن كل الجدات (مستورة)، وكأن كل أراضي الصبا (وادي الجار)، وكأن كل حلال الأسلاف الغنم و البقر، ذاكرة مشتركة ينغز ثنايها طاهر بقلمه فتوقظ فيك ما توقظ!
وقرأت الأشجار و اغتيال مرزوق لعبد الرحمن منيف، ومنيف كاتب أكثر تعقيدا من غيره وليست قراءتي الأولى له وهو كاتب يحيرني، لا تبدو لي الرواية أيقونية ولا مختلفة ولكن براعتها تكمن في أنها حوار بين شخصين يحكي كلا منهما حياته يشارك الأول كل ماضيه و يتحفظ الثاني عن أي شيء ثم يحكيه للقارئ وحده، لا تخلو الرواية من لفتات جميلة لكنها بالمجمل ليس أفضل أعمال منيف برأيي .
تأملات
تسنى لي هذا الشهر زيارة بولندا والمرور بسولفاكيا، فأخذت -كعادتي- أبحث عن رحلات الشيخ العبودي لأجد بولندا، ولفت انتباهي حين قرأت تدوينه لتاريخ المسلمين الحافل في هذه الديار ودورهم الكبير -رغم كونهم أقلية حينها- في دعم الحكم البولندي و امتنان الحكومة البولندية لفترة طويلة لهذا التاريخ الذي قام به المسلمون في بولندا، و قدح ذلك في ذهني تساؤلا حين بحثت عن عدد المتاحف التي تحكي تاريخ اليهود في بولندا -رغم أنهم أقلية أيضا وإن كانت أكبر أقلية في بولندا-مقارنة بشيء يحكي تاريخ المسلمين ويذكر هذا الدور -مثلا!- . على كل حال، يكتب التاريخ المنتصر ولو كان أقلية و اليهود أبدعوا جدا في خلق سردية باستغلال ألم المحرقة وخلق آلاف المواد المصورة و المقروءة بل و الحية (تماثيل و متاحف) في دعم هذه السردية و تغذيتها.
تمتاز بولندا بطبيعة سويسرية أخاذة، ومن مكارم زيارة الطبيعة علينا التعرف على (مارتا)، عجوز في الثمانين من عمرها أنشط مني ومن سبعة من أمثالي مجتمعين، عزمتنا في بيتها وشاركتنا صور رحلاتها التي قررت أن تزجي بها حزنها على فراق ولدها الذي أبعدته عنها ظروف العمل. مارتا تحمل معها ملفًا صغيرًا فيه جدول الحروف الأبجدية الإنجليزية حيث تتعلمها في هذا العمر، وتأسف أنها لم تتعلمها في المدرسة؛ تصعد مارتا الجبل لأجل رجليها الاثنتين لا بالتلفريك، ثم تكافئهما بغسلهما في البحيرة والانبطاح على الطبيعة وفي الطبيعة!
تتأثر جدًا حين نتطرق للحديث لأهمية بر الوالدين لدينا في الإسلام، وتعلق بحسرة مخنوقة: “عندنا في الغالب تكبر ثم تموت في دار العجزة، أنا أحافظ على صحتي كي لا يحدث ذلك” وتكمل الحديث بحرقة الشقي الذي لاقى من الحياة ما لاقى، تودعنا بصورة جماعية، ونتبادل الحلويات، نهديها كعك اليمامة وتهدينا بسكوتا سلوفاكيا بالشوكولاتة.
تختتم اللقاء قائلة -وهي تتأمل في الصورة-: أنتم في قلبي الآن! ثم نفترق، وأنا أتأمل في هذه العجوز التي تصعد الجبل وحدها وتتعلم الإنجليزية في سن الثمانين!

تجارب
كنت في صغري أهوى الألعاب الرقمية، ثم كبرت فأصبحت عيناي تجفان عند الإطالة بتركيز في لعبة، و أعصابي تحترق لأجل لعبة، و الكورتيزول يزداد بينما كان في الطفولة الإدرينالين! للكبر آفاته يا أصدقاء ! فتركت الألعاب للشباب..
ولكن هذا الشهر عرفني اللاعب الكبير (هـ) (وسنشير إلى اللاعب الكبير ب(العزيز هاء) حتى تنتهي رعايته الكريمة لهذه الفقرة) على لعبة عظيمة جعلتني أحاول إعادة الادرينالين بدلا من الكورتيزول ، هي لعبة فكتوريو factorio ، لعبة استراتيجية من الطراز الأول، تشبه تلك الألعاب التي تستخدمها الشركات الكبرى في اختبارات القبول للمرشحين، فكرة اللعبة هي تحقيق هدف معين بالاستفادة من موارد الطبيعة المحدودة وبناء نظام يخدمك في ذلك.. اللعبة لا تقوم أساسا على جانب التوتر بل على جانب التخطيط الاستراتيجي الهادئ، و حين تلعبها مع طرف آخر يزداد حمى الوطيس ! حيث يتضح الفارق في التفكير و طبيعة الدافع، فبينما كنت أحرص فقط على الهدف المطلوب في المرحلة (حتى لو قمت بالكثير من الأعمال اليدوية و صممت نظاما عشوائيا فوضويا لكنه يحقق الهدف بالنهاية) كان العزيز (هـ) يطور نظاما كاملا لخدمة الهدف (حتى لو كلف ذلك وقتا وجهدا أكبر)، كما أن اللعبة ليست ممتعة بصريا فالرسوم متواضعة لكنها تؤدي غرض اللعبة (يخالفني العزيز هـ في ذلك ولكني أصر على رأيي). أنصح المقلعين عن الألعاب بتجربة اللعبة فهي حقا تمرين ذهني على شكل لعبة.
وبذا نختم الجردة لهذا الشهر، ودمتم سالمين..

