لا أدري كيف أفتتح هذه الجردة فالشهر الماضي حافل ولعل أحفل ما فيه أنه وافق الشهر الذي ولدت فيه ، لا أحب استذكار يوم الميلاد إلا من باب التأسي، صحيح أن الأحباب حولي يتذكرونه بطريقة مختلفة عما أفعل، لكنني فعلا لا أحب ذكراه.
تأخرت في كتابة و نشر هذه الجردة تأخرا غير مغفور لكن اعترتني تلك الحالة التي تعتريني أحيانا، بغض التكشف و الشعور بالتعري عند الكتابة،حيث أجدني أنفر من فكرة النشر من شعور أعين الآخرين تقرؤني وتحدق فيّ ، من هذه الأعين ؟ ولمَ أمنحها هذا التميز ؟ رغم أني لا أكتب أسرارا نووية شخصية و لا أنشر ماهو مدقع في الشخصية لكني حتما لست في أرض الموضوعية التي تنوء بصاحبها -لحد كبير- عن الذاتية التي يطغى فيها شعور التكشف المزعج ، لكني أعيد ضبط بوصلتي للهدف الأول من هذه الجردات : العودة للكتابة ومحاولة قبض هذه الأيام التي تسابق الزمن فتسبقه و تسحقنا…وأكتب.
تيسر لي هذا الشهر زيارة الحبيب المفدى في مدينته التي أنار بها الدنيا، فهي المدينة المنورة خير بقاع الأرض، و قد كانت زيارة غير مخططة دهمني فيها شعور غريب ضاغط بالرغبة الملحة بالزيارة بل و أن أزور قبر الرسول عليه السلام، كنت قد عزمت الأمر بالذهاب إلى النشامى في عمّان لكن هذا الهاتف الغريب صرفني إلى خير المدن وزينها و عينها حيث الحبيب المُفدى عليه الصلاة و السلام ، بل وقد كان هذا الهاتف يوحي إلي بأن في هذه الزيارة فتح و برء ، أجرى الله على لساني : (اللهم اجعلها زيارة تفرج بها الهموم وتُحل بها الكُرب) فكنت أرددها في كل موطن أتلعثم فيه لهول شعوري أو ضعف خشوعي فيطلق الله لساني بهذه الدعوة التي لم أقرؤها يوما و لم أحفظها عن أحد، أكرمني الله بزيارة الروضة الشريفة ولعلي أسرد تفاصيل زيارتي للمدينة في تدوينة مستقلة يأتِ بها الله .
كما زرت في هذا الشهر روسيا المبهرة، و بودي لو أقف لحظة صمت إعجابا و احتراما لما رأيت وما عرفته عن روسيا و الروسيين، وهذا ليس إعجابا من فراغ، بل عن زيارة و معرفة و قراءة لتاريخ الروس و تاريخ روسيا المدقع في الزمن، و الجميل أن الروس لا يتنكرون لتاريخهم ولا ينسون دماءهم هذا الدب الروسي ثقيل الحركة لا ينسى الماضي، يستذكره في الشوارع و الحدائق الأسواق و المدارس و المباني و القنوات المائية و الأنهار.. كل المدينة تنطق وتحكي هذا التاريخ منذ “روريك” وحتى “بوتين” تفتح المدينة عينيك رغما عنك لتقرأها و تعرفها وإن أعرضت أو حاولت ، وهذا الشموخ فريد وقد أثار اهتمامي حقا لأنك حين تقرأ عن الروس تجد أنهم لفترة انبهروا بأوروبا وأرادوا لو يكونوا أوروبا ثانية وتلك كانت فترة بطرس الأكبر الذي بنى مدينة كاملة ليجعلها عاصمة روسيا الأوروبية و يتنصل من موسكو التي مثلت الماضي و التقاليد ، وهذا الصراع في النفسية الروسية مع الأوروبيين مثير للتفكر وهو صراع قديم حول التقدم و الهوية و الخيرات الطبيعية و الطاقة صراع سياسي و هوياتي و تاريخي تغيرت نظرتي له بعد زيارتي هذه فهو ذو بعد تاريخي قديم لا يرتبط بعامل أوحد.
روسيا متعددة الأعراق بالأصالة لا بالتمدن فالشعب الروسي نفسه (لا الدخلاء ولا المهاجرين) متعدد الأعراق وإن غلب عليه عرقا أو اثنين لكن هذا التعدد هو الأصل و لعل امتداد الأراضي الروسية سبب وجيه لهذا التعدد العرقي و الموقع الاستراتيجي لروسيا ما بين آسيا و أروروبا يلعب دورا في ذلك أيضا.
لقد زرت أوروبا و أمريكا و آسيا لكن روسيا لوحدها قارة في شعوري وهي تختلف كثيرا عن طبيعة المدن الأوروبية و كأنها هجين ما بين أوروبا و أمريكا وآسيا و أنا شاكرة أن تيسرت لي هذه الزيارة ولعلي أفردها في تدوينة مستقلة يأتِ بها الله أيضا.
مشاهدات
شاهدت هذا اللقاء للأستاذ عبد الله كابر وهو خبير في معالم و تاريخ المدينة المنورة كرغبة مني في التعرف على مدينة الرسول قبل الزيارة ، هذه المدينة التاريخية النبوية ذات القيمة العظيمة في التاريخ و التاريخ الإسلامي تحديدا ويا للمفارقة فقد زرت في شهر واحد مكانين لهما في التاريخ شأوا عظيما : المدينة المنورة و روسيا البيضاء ورغم اتساع الفارق الروحاني إلى أن المقارنة بين قدرة المدينتين على الإفصاح بأهميتهما التاريخية هي فكرة تلقائية تطرأ رغما عنك متسائلا : هل قدمنا ما يكفي للمدينة لتأخذ بتلابيب الزائر نحو عمقها التاريخي رغما عن أنفه ؟ كما قدم الروس لموسكو و سانت ؟ لا أزعم أني أحسم الإجابة وإحقاقا للحق فالجهود المبذولة في المدينة المنورة كبيرة و من زار المدينة في فترتين متقاربتين ما بين سنة و أكثر سيلاحظ الفرق في الاهتمام و التغيير وهذا لوحده مؤشر طيب نرجو من الله أن يبارك فيه و يديم.
شاهدت اللقاء و لفتني اقتباس الأستاذ عبد الله (البقاع تؤثر في الطباع) متحدثا عن تميز أهل المدينة عن غيرهم إذ طيبهم من طيب مدينتهم و الفكرة في عمومها تمتد لأكثر من ذلك، ولفتني أيضا أن الغاية من بودكاست سقراط هي اقتصادية بالمقام الأول ولاشك أن التغير في المدينة المنورة يصحبه نمو في اقتصادها أراد الجريسي أن يستعرضه و يستفيض فيه ، و الجميل أن هذه الاستفاضة لا تتأتى في حالة المدينة المنورة دون التعريج على سيرة الرسول الكريم و هذا ما قاله الأستاذ عبد الله صراحة في كل مرة يحاول المقدم رده عن الاستفاضة في السيرة للحفاظ على غاية البودكاست وموضوعه، وهذه لفتة عظيمة فالمدينة مدينة الرسول عليه الصلاة و السلام و لا يمكن أن تكون دون أن تعرف صاحبها ، فسبحان من جعل بركتها من بركة صاحبها عليه أفضل الصلاة و التسليم.
مقروءات
قرأت هذا الشهر كتاب (الطريق إلى المدينة) للشيخ الندوي ، وكانت غايتي ترقيق قلبي – أو محاولة ذلك – بقراءة زيارات الزائرين من كافة أنحاء الأرض ، وهذا المبحث جليل ، فزيارة الرسول عليه السلام و الروضة الشريفة و المسجد النبوي هي من أعظم القربات و أجلها ، عسى الله أن يبلغنا لقياه .
وقرأت كتاب (محمد) للأديب الروسي الكبير تولستوي ، وقد كان تولستوي يكن احتراما كبيرا للنبي محمد و تعاليمه و هو ما أفصح عنه في هذا الكتيب الصغير.
شرعت في رواية (السأم) للروائي الإيطالي ألبورتو مورافيا، و أعترف وقعت بالصدفة على الرواية و لم أقرأ عنها شيئا ولا أعرف مورافيا ولم أسمع به، لكن العنوان وحده كان مصيدتي ، وقد شعرت بالغثيان حقيقة لا مجازا و أنا أقرأ الرواية و “أتغصبها” الآن لأجل أن أعرف النهاية فقط وإلا فشعور الغثيان الناتج من عبثية النص لم يفارقني و أود أن أعرف حقا ما نهاية هذا السأم ؟
تجارب
“كلاود” العبد الأثير للعزيز هاء يستحق التكريم بتزكية مني، فقد عمل -على غير طبيعته- مرشدا سياحيا و مخططا استراتيجيا و أميرا -تقريبا – للرحلة إلى روسيا ، كان منقذا كبيرا فالروس لا يتحدثون الانجليزية ولا يتفاعلون بالإشارة فإما أن تفهمهم أو تستعين بمن يفهم – كالعبد الأثير كلاود وغيره- أو على رحلتك السلام. إضافة إلى أن تلك المدن التي تأخذ بتلابيبك تحتاج من يشبع فضولك و يملك إجابات لا منتهية عن روسيا و عن كل تمثال وكل متحف وكل معمار و عن ستالين و عن بوتين و عن لينين و كأنه صديقنا الروسي الذي نعرفه منذ سنين.
وبعد،
فقد أسميت التدوينة ثلاثون لسبب، يفطن إليه من فطن و يغيب عنه من غاب، ثلاثون تخرسني و تؤدبني و تصقلني ، ثلاثون تصفعني و تشرق بي و تحرقني، ثلاثون.. رافقت فيها نفسا أنزع عنها و تنزع عني ، على حافة الثلاثين أسقط .
دمتم بخير..

