جردة أغسطس

أهلا !

أبتدئ هذه الجردة عنوة بالصلاة على الحبيب في ربيع الأول حين أشرقت الدنيا و كتبت الرحمات لهذا العالم ولنا ولي ، ولست أرجو إلا أن نكون في زمرته عليه السلام و أن نلقاه فتقر الأعين وترتوي الأنفس .. آمين.

والحديث عن المولد النبوي يثير شجوني لأسباب عدة أولها خاصية المناسبة حين يذكرها المرء ويتأمل و ثانيها أنه من مثيرات الصراع بين عامة الناس (ويؤسفني أن أصفه بالصراع) لما يتعلق به من اختلاف فقهي وثالثها شعوري بالاستحياء و التقصير من قصور معرفتي و غفلتي و جهلي بسيرة الحبيب عليه السلام ،ورابعها أنه مثل شؤون كثيرة أصبح الحديث عنها بتجوز أو حتى باختلاف مدعاة للحكة و الرغبة في الهرش عند بعض الناس وهذه ظاهرة لها أسبابها و تداعياتها و حضورها الطويل في التاريخ و الحاضر وهي من مظاهر (الصراع) المتولد من ضيق أفق يخنق الأنفاس .

و لو تجاوزنا النقاش حول (مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي) إلى لب ذكرى المولد لوجدنا أن الأمر لا يستدعي الصراعات (ولا يسبب الحساسية بالطبع) و الذي أعنيه بلب الأمر أي ما يثيره في الوجدان عند التأمل وأعتقد أن هذا الحد الأدنى من التذكر و التذاكر مطلوب و أن البعد الوجداني عن سيرة الحبيب و آله جفاء ولو لم يكن من ذكرى المولد إلا ذلك لوفى وكفى . وأما مظاهر الاحتفال و الاحتفاء فظني أنها موضوع طويل له أبعاد تتجاوز الدين وتدخل في العادة و الجغرافيا و المجتمع وغيرها ولها مواطن نقاشها، لكن الذي أردت قوله هو أنك لو أحببت أحدا لما توانيت في اقتناص كل فرصة في الاستئناس بذكره (الاستئناس يبدأ بالذكر في الوجدان و يتمدد حتى قد يصل إلى ما يصل، فدع عنك التمدد إن راعَك و خذ من الاستئناس جله إن لم توافقه كله ) فكيف لو أن هذا الحبيب محمد ، جمال الدنيا و الآخرة ؟ عليه الصلاة و السلام ..

لَعَمري لَقَد كَلِفتُ وَجداً بِأَحمَدٍ

وَإِخوَتِهِ دَأبَ المُحِبِّ المُواصِلِ

أُقيمُ عَلى نَصرِ النَبِيِّ مُحَمَّدٍ

أُقاتِلُ عَنهُ بِالقَنا وَالقَنابِلِ

فَلا زالَ في الدُنيا جَمالاً لِأَهلِها

وَزَيناً لِمَن ولّاهُ رَبُّ المَشاكِلِ

أقول قولي هذا و أنا أجفاكم قلبا و أكثركم تقصيرا في حقه و حق سنته ، فاللهم رقق قلبي و اهد ناصيتي و خلقي لأحسن الأفعال و الأخلاق.

و بعد،

لقد كان هذا الشهر الماضي طويلا تمدده الحرارة ، ساخنا يشوي القلوب و العقول ، تتباهى فيه الشمس بعظيم خلقة الله فيها و كأنها تهمس (إنما هذا نفحة من نفحات جهنم فاتقوا وعوا !) اللهم شتاء لا قيظ فيه و جنة لا حر فيها .

مقروءات

قرأت هذا الشهر تفسير سورة الفاتحة للشيخ ابن عثيمين وهو كتيب صغير يشرح سورة الفاتحة آية آية ، بسيط ومباشر و يتجاوز تفسير الألفاظ إلى معانيها بل و إلى اللفتات البيانية و البلاغية التي تحملها بعض الآيات وأم الكتاب لا يفسرها كتاب إنما هي محاولات لتقريب المعنى .

و قرأت فوائت الحياة في مدح حياة لم نعشها وهو كتاب يتحدث عن تجربة الإحباط و الحياة الداخلية التي يصنعها المخيال حين لا تتحقق الأماني ولا نحصل على ما نريد ، و الكتاب مجموعة مقالات مجمعة للكاتب يربطها إلى حد ما هذا الخيط الناظم لكنك ستشعر بالضياع و ستتساءل في كثير من الصفحات ما الذي يتحدث عنه الكاتب فعلا؟ ما الذي يريد قوله؟ لقد شعرت بالكاتب وكأنه في مخاض ويعجز عن الولادة !
شككت في نفسي و فهمي و بعد مستواي عن الكاتب فأخذت أقرأ مراجعات الكتاب في Goodreads و نديم ، وشعرت بالاطمئنان و الضحك في الوقت ذاته فامتعاض الناس و شعورهم الذي يشبه شعوري اتجاه الكتاب جعلاني أتأكد أن الكاتب إما أنه يهذي فعلا أو أنه ظُلم بالترجمة و بفكرة المقالات المجمعة .
لا شك أن في الكتاب فائدة و لفتات ومنها تلك الفكرة التي كان يصف فيها لماذا يبرد شعورنا اتجاه الأشياء التي تمنينا حدوثها بمجرد أن تحدث ؟ وهو يفسر ذلك بأن التلذذ بتخيل شعور الوصول هو في الحقيقة ممارسة نمارسها بشكل لا واعي في (تخيل) تجاربا لم نعشها ونتمنى عيشها و كأنها الخلاص النهائي، وهي تحدث من الطفولة حيث يود الطفل دوما أن يكبر و يودع مرحلة الطفولة وذلك لمخياله الوردي و الإيجابي حول هذا الكبر ، بينما -حين يكبر- يتمنى لو أنه عاد طفلا !
وفي كلا التجربتين – الطفولة و الكِبر- يكون هذا التمني و التخيل وكأنه خلاصا شافيا و أحب أن أسميه أنا ب(التخيل الشافي) الذي هو ببساطة (أحلام اليقظة) وهي كذلك بالفعل لأن الوصول لها أقل لذة مما نتخيل وقد علمني ذلك أن أكون أقل طغيانا في تخيل الخلاص ، فالخلاص الوحيد هو أن تمضي قدما و تكف عن التمني .

مسموعات

شاهدت هذه المقابلة مع الدكتور إبراهيم العسال وراقني جدا أسلوبه في الطرح بأدب جم وفهم وتفهم لحساسية بعض المسائل مثل مقتل الحسين رضي الله عنه و غيرها من المواضيع التي تطرق لها ، المقابلة لطيفة جدا ولعل المقدم هذه المرة زاد من لطافتها إذ أنه مثّل العاطفة التي تحدث عنها الدكتور إبراهيم ببراءة بالغة. هذه ليست المرة الأولى التي أشاهد فيها طرحا للدكتور إبراهيم الذي دخل التاريخ صدفة من باب السياحة بعد أن كان الطموح الطب !

كما شاهدت هذا المقطع القصير الذي يحكي فيه الدكتور الفاضل السامرائي قصة اهتداءه للإيمان بعد أن كان ملحدا ! وأنا من أشد معجبي الدكتور ولاطالما أذهلتني تأملاته و نكته و تفسيره للصور البلاغية في القرآن وقد كان تصوري أن هذا الدكتور نشأ -بلاشك- في الحلقات و الأعمدة و المحاضن الدينية البحتة ، فإذا بي أسمع في هذا المقطع القصير أن الأستاذ كان (ملحدا) ولم يؤمن لآيات القرآن البلاغية بل لآيات الكون المذهلة المتمثلة في أصغر كائناته و أخبثها أقصد الباعوضة ! فسبحان الهادي الرحيم .

تأملات و تجارب

الشهر الماضي كان شهرا حافلا بتجاربي مع الذكاء الاصطناعي ، عملت على عدة ملفات بعضها متعلق بعملي و الآخر هو فضول شخصي ولقد حفزتني النتائج المذهلة التي وصلت لها إلى دفع اشتراك وإلى القناعة التامة بأني الآن لا أستطيع أن أعمل بلا (عبيد) كما يحب العزيز هاء أن يسمي أدوات الذكاء الاصطناعي، (يبرر العزيز هاء هذه التسمية بأنه يوجد حاليا سوط افتراضي تستطيع تحميله لتحسين مخرجات كلاود ! فما المانع بأن يسميهم عبيدا ؟ ليس لي أي تعليق على التسمية أو فكرة السوط!) ، وفي الوقت ذاته شعرت بالخوف على العقل البشري إذ أن جوهره المبدع المتمثل في عملية التفكير.. يُسفك على مرأى منه ومسمع !

وعلى ذكر العزيز هاء، فرعايته الكريمة لهذه التدوينة تتمثل في آداة لتدوين اليوميات بطريقة لطيفة و بسيطة مصنوعة بالكامل بالذكاء الاصطناعي و أخذنا نجرب سويا فكرة التدوين اليومي للعادات و الأفكار و المشاعر فيما لا يتجاوز 15 دقيقة ، هذه نسخة تجريبية للآداة.

أخيرا ، هذه فرح ، قطة صغيرة تنقلت ما بين ثلاث سيارات لتصل من حائل إلى الرياض لتقوم بمهمة الإيناس برزق مكفول و حضور محفول ! التأمل في فرح وهي تتمدد حيث تشاء وتنام كيفما تشاء و يحتفى بها قادني للتفكير في الحياة الذهبية التي تعيشها قطط المنازل ، ومن ثم التمني لو أنني قطة ما في منزل حنون و يد حنونة كيد صديقتي..

أضف تعليق