لا أحتفل عادة بأعياد الميلاد، بل إني لم أكن أقف أصلا ولا ألتفت.. لم تعنِ لي شيئا سوى الاقتراب من الموت وصوت ساعة وهمية تطن في أذني ، يوم الميلاد كان يشعرني بالوخز، شعور غير طيب بالمرة وهذه علاقتي معه تشاؤمية بحتة أنظر لجانبها الضنك.
لا أحتفل بأعياد الميلاد، لكني أقف، للتفكر، للتأمل ثم العبور المحمل بأثقال النظر و مسراته ، هذه وقفة لعيد ميلادي السادس و العشرين..
غصة، لأني أكبر هذا شعوري الدفين، لا يتعلق الأمر بكوني أميَل للتشاؤم بالفطرة، ولكن لأن البلوغ منوط بالمسائلة و أنا أكرهها.. كتفاي خلقتا للحمل و التحمل و أزعم أني صبور إن شئت ولكن الملل آفتي الكبرى، لا ينتظم في عناقيد عمري خيط زاهٍ وإلا وقطعته في المنتصف… أكره الرتابة و أكره التغيير السريع، لذا فإن أسلوبي المفضل : الرتابة المتقطعة.
كنت أظن أني أكمل ربع قرن هذا العام ، وعندما أعدت الحسبة وجدت أني أكبر بعام، وهذا مثال حي على علاقتي بعيد الميلاد ! مضطربة لا أتقن حسبتها.. لربما لأني أؤمن أن العمر بتجاربه لا بعدده لكني بكل تواضع بعد أن خضت تجاربي أقول هو بعدده رغما عن أنفي.
سافرت كثيرا، تخرجت، درست، عملت في أماكن متعددة ، لم أستقر في دائرة راحة واحدة، وتعمدت تعريض نفسي لتجارب غير مريحة البتة، تخففت من بعض الإيمانات المقيدة، حاولت التعرف على الحياة من باب حقيقي لم تخبرني عنه الكتب ولم يعرفه أصدقائي، كفرت بالكثير و عمقت معولي حتى اصطدم بالحجارة ..وها أنا ذا أحاول أن أجد أرضا أخرى لا يصطدم فيها معولي بالحجارة.
هذه هي طبيعة الربع قرن الأول، حفر ومعاول وعرق ، وخيبات تتمثل بحجارة صلدة و تربة سبخة. لم كان الشباب شبابا؟ لو لم يكن وقتا صعبا تحتاج فيه لكل طاقتك ولياقتك و قوتك، وعليه: لم يوهب الشباب عبثا .
لا أحب أن أجعل من هذه التدوينة مسودة شيخ، ولا محاضرة أستاذ، ولا موعظة و نصائح ، لأن الأمر الأكيد الذي أيقتنه في عالمنا المحموم بالشك هو أن الأستاذية رداء أحمق، ولكني أود فعلا أن أجعلها رسالة لصديق، على لسان الزمن، على لسان أيامي ، على لسان أعوامي الستة و العشرين.
إني أرثي العالم الوردي الذي نشأنا فيه سويا، لقد كان كاملا مثاليا لا ينقصه إلا شهادة أفلاطون، أنت تذكرنا معا ونحن كزوج العندليب نغرد بلحن شجي نتغنى بالحياة والأمل، تذكر خططنا الأسطورية و حياتنا الفردوسية التي كانت خيالاتنا تبدعها، تخيل أني اليوم أرثي العالم الوردي، وأمعن في دفنه، هذا العالم المزيف الكاذب، لقد صافحت الحياة يا صديقي بوجهنا الآمل المبتسم فإذا بها تمد يد الشوك ولا تتعمد شخصي الهش، ولا عودي الغض ولا أحلامنا التي حملتني إياها في كنانة فكري وكأنها تكفي لمواجهة الكبَد الذي حدثتني عنه واعظا ..لم تبتتسم ولم تمد يدا ناعمة ولا حتى خنشة بل يد الشوك لأن هذه طبيعتها مع الهُزل المخابيل ذوو الأمل الواسع و الحب العريض .. إنها ولابد تقسو لتوقظهم من سكرة العالم الوردي. لم أهلك، نزفت دما لكني استيقظت وقد وجدت عالمنا الخيالي خربا، وقفت على أطلاله ونظرت في عينيك نظرة أدري بأنها هشمت خافقك الصبي ..
لم أهلك، وقد قدمت حبنا وسكرة الأماني قربانا للنجاة، ولك أن تعذرني فإني للتو تعلمت قوانين الحياة وسنن المصافحة و آداب العيش.
لقد استيقظت والكون على طبيعته وسنة الله فيه قائمة لكني وأنت في غفلة، ومضيت أعرج وحاولت مرارا وسقطت كثيرا وفعلت العادي و المعقول ثم لأواسي نفسي عرّفت بطولاتي بأسماء أخرى، هي ما يفعله كل الناس، وخدعت نفسي و صدقتها لكي أعيش بسلام مزيف.
لحظة؟ هل قلت سلام مزيف؟ إن كل سلامنا مزيف، فما دامت هذه الدنيا فهذا قدر سلامها، الزيف.
لا أريد أن أقسو عليك، لأني تعلمت أيضا أن الرحمة تفعل ما لا تعرفه القسوة، وأن العطف نديم القبول، خصيم العناد، ولا يمكنني أن أعاند هذه الحقائق أكثر بعد أن هشمت بقسوتي خافقك الصبي.. ولكن لم يعد لي من الأمر شيء سوى الرثاء والتأسي و الكتابة بهذا النفس العدمي اللا مبالي.
أقف الآن بزهو، أمامك بزهو، أمام عينيك التي فقدت بريقها و تلبسها الروع مني، أقف في آداء مسرحي لأغني أنشودة الخلاص، وأضحك! ألحن لك بيتين حفظتهما للتو بعد أن طلقت عالمنا الوردي :
“قطّب.. سئمتك ضاحكا
إن الربى بردٌ ودفءٌ لا ربيع خالدٌ
العبقرية يا فتاي كئيبةٌ
والضاحكون رواسب وزوائدُ”
صديقي، إني ألوح لك من بعيد على أمل أن نلتقي في الملكوت، لنعاود المخاطرة، لنعاود المغامرة لنعاود الأمل…لربما، في عيد ميلاد آخر، في عيد ميلاد قادم.. إلى ذاك الحين فإني ألوح لك من بعيد.

